نخبة من الأكاديميين
332
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الحملة الفرنسية والمسألة المصرية حتى الاحتلال البريطاني مثلت الحملة الفرنسية نقطة تحول في الاقتراب الأوروبي من العالم الإسلامي ، فلقد كانت أول هجوم عسكري مباشر على أراضي القلب الإسلامي العربي لاحتلالها واقتطاعها من الدولة العثمانية ، ولذا كانت منعطفًا في تاريخ الصراع بين القوى الغربية حول العالم الإسلامي والعربي بصفة خاصة من أجل بناء إمبراطوريات كبرى ، كما كانت من ناحية أخرى ذات مدلولات مهمة للعلاقات العثمانية - الأوروبية ومن ثم بالنسبة لمصير الإمبراطورية العثمانية برمتها حيث بينت التفاعلات الدولية في مواجهة هذه الحملة كيف تغلَّب حتى هذه المرحلة - التوجه البريطاني نحو الحفاظ على تماسك الإمبراطورية وعدم اقتسامها ، وهو الأمر الذي انتهى بعد ذلك باحتلال بريطانيا لمصر . وكما أفصحت الحملة عن تحول في السياسة التقليدية الفرنسية ، فقد أدت إلى تحول آخر خطير ولو مؤقت - في السياسة العثمانية والروسية ، حيث اتجهت الدولتان للتحالف في ما بينهما ومع بريطانيا ضد فرنسا ، ولم تكن هذه التحالفات إلا ذات طابع مؤقت ، فبعد انسحاب الحملة من مصر وانتهاء الحرب العثمانية - الفرنسية 1802 م ( بمساعدة بريطانيا ) لم يصمد التحالف الثلاثي ( العثماني - البريطاني - الروسي ) من ناحية ، كما اتجه نابليون من ناحية أخرى لتحسين علاقاته مع الدولة العلية في مواجهة عدوهما المشترك : روسيا ، وأراد نابليون أن يدخل إيران طرفًا في هذا التحالف ليحقق مصالح في مواجهة بريطانيا في الهند في مقابل أن تحصل إيران على مساعدة في مواجهة المطامع الروسية ، ولكن سرعان ما فقد هذا التحالف بعد فترة عمل قصيرة ( 1806 م - 1807 م ) مغزاه حين أرادت فرنسا توظيفه ضد بريطانيا أساسًا دون استفادة حقيقية لإيران والعثمانيين في مواجهة روسيا . ومن ناحية أخرى : كانت أبعاد التصدي للحملة الفرنسية - باعتبارها أول غزو عسكري مسيحي أوروبي لولاية عربية من ولايات الدولة العثمانية في الشرق الإسلامي في التاريخ الحديث - ذات دلالة كبيرة لفهم العلاقة بين هذه الولايات وبين هذه الدولة ، ورؤية شعب مصر للسلطان العثماني ، وفي هذا الصدد نستفيد عن د . عبد العزيز الشناوي « 1 » خلاصة مقارناته بين الأدبيات التاريخية على هذين الصعيدين ، ومن ثم نلخص في ما يلي : فضلًا عن التبعية السياسية ، كانت وشيجة الدين تربط سكان الولايات العربية بالسلطان العثماني باستثناء أهل الذمة ، وكانوا قلة يعيشون على هامش المجتمعات الإسلامية في الولايات العربية ما عدا بعض الجهات في بلاد الشام . وعَمِلَ الدينُ في تلك العصور عمل القومية في الوقت الحاضر في تقرير الأوضاع السياسية والحربية لشعوب الولايات العربية ؛ ولذا حين أعلن السلطان سليم الثالث الجهادَ الديني ضد الفرنسيين استجاب لدعوة الجهاد الديني العربُ في الحجاز والشام وشمالي أفريقيا ، وشاركت قواتهم مع قوات مراد بك في جبهة حربية إسلامية في مواجهة جبهة حربية مسيحية كانت تتألف من القوات الفرنسية والفيالق القبطية المصرية بقيادة المعلم يعقوب حنا والتي تألفت لتأييد الفرنسيين وأُلحقت بالجيش الفرنسي لسد النقص في عدد قواته . ولقد اعترف بونابرت بأهمية العازل الديني بين
--> ( 1 ) أنظر التفاصيل في : - د . عبد العزيز الشناوي : ج 2 ، ص ص 936 - 945 .